يكتب الباحث أسامة أبو زيد مقالًا يسلّط فيه الضوء على التلاعب في طريقة عرض الحرب في السودان داخل الإعلام العالمي، وكيف أعادت التوترات المرتبطة بحرب إيران تشكيل “زاوية الرؤية” التي يُنظر من خلالها إلى الصراع، بدل أن تُعاد الحرب إلى جوهرها الإنساني والسياسي داخل السودان نفسه.
ينشر موقع ميدل إيست آي هذا التحليل الذي يربط بين تراجع الاهتمام الدولي بالحرب السودانية وبين تصاعد الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، مشيرًا إلى أن السودان لم يغب عن المشهد، بل جرى “تفعيله” فقط عندما يخدم سردية جيوسياسية أوسع، ما أدى إلى تشويه فهم الأزمة بدل حلّها.
إعادة تشكيل الوعي العالمي بالحرب السودانية
تتراجع الحرب في السودان عن واجهة الاهتمام العالمي رغم استمرار الكارثة الإنسانية منذ أكثر من ثلاث سنوات، حيث تتسع دائرة النزوح لتتجاوز 14 مليون شخص، وتنهار المدن والخدمات الأساسية في ظل غياب الدولة الفعلي. ومع ذلك، لا يظهر السودان في الأخبار إلا عندما يمكن ربطه بصراعات إقليمية أكبر، خصوصًا المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
تتغير زاوية التناول الإعلامي بحيث لا تُعرض الحرب كأزمة داخلية ناتجة عن انتقال سياسي فاشل وصراع بين قوى عسكرية، بل كجزء من شبكة نفوذ إقليمي تتداخل فيها مصالح أطراف خارجية. هذا التحول يجعل الفاعلين المحليين يُقدَّمون كأدوات ضمن صراعات الآخرين، رغم أن ديناميكيات الحرب داخلية في الأساس.
التدخلات الخارجية وتغذية الصراع
يدفع الصراع السوداني إلى مستويات أكثر تعقيدًا بسبب تدخل أطراف إقليمية ودولية ترى في تفكك السودان فرصة وليس أزمة يجب حلّها. ومع استمرار الحرب، تتحول المجموعات المسلحة إلى أدوات تُقرأ ضمن “محاور” سياسية إقليمية، ما يعمّق الالتباس حول طبيعة الصراع ويُضعف أي جهود حقيقية لإنهائه.
يرى الكاتب أن هذا التأطير الجديد لا يفسر الحرب بقدر ما يعيد إنتاجها داخل سردية أكبر، حيث يصبح السودان ساحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية، بدل أن يُنظر إليه كدولة تعاني انهيارًا داخليًا يحتاج إلى حل سياسي شامل. ومع كل إعادة تشكيل لهذا الخطاب، تتراجع أولوية المدنيين ومعاناتهم لصالح حسابات النفوذ.
الانهيار الاقتصادي وتداعيات حرب إيران
يتزامن هذا التحول في الخطاب مع أزمة اقتصادية متفاقمة داخل السودان، حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط عالميًا نتيجة حرب إيران إلى ضغط مباشر على الاقتصاد المحلي. ترتفع أسعار الوقود بشكل حاد، ما ينعكس على النقل والغذاء وسلاسل الإمداد بالكامل، ويجعل الحياة اليومية أكثر هشاشة.
تشهد الأسواق اضطرابًا واسعًا مع توقف بعض التجار عن البيع بسبب عدم القدرة على تسعير السلع في ظل تقلبات مستمرة، بينما تقفز أسعار المواد الأساسية مثل السكر ومواد البناء بنسب كبيرة خلال أيام قليلة فقط. ومع ارتفاع التضخم إلى مستويات تتجاوز 56%، تتسع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة بشكل يهدد الاستقرار الاجتماعي.
تتفاقم الأزمة مع صعوبة استيراد الأدوية وتراجع الإمدادات الغذائية، ما يجعل حتى الأمراض البسيطة خطرًا حقيقيًا على حياة المدنيين، في وقت تنهار فيه البنية الاقتصادية تدريجيًا تحت ضغط الحرب الداخلية والاضطرابات الخارجية.
في النهاية، يؤكد المقال أن السودان لم يختفِ فعليًا من المشهد العالمي، بل جرى تحويله إلى ملف يُقرأ فقط عبر عدسات الصراعات الكبرى. هذا “الظهور المشروط” لا يعكس الواقع، بل يعمّق التشويه، ويؤجل الحل، ويجعل الكارثة أكثر رسوخًا بدل أن تقترب من النهاية.
https://www.middleeasteye.net/opinion/why-sudan-disappeared-global-headlines-until-iran-war

